الشيخ المحمودي
14
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
قصر ، فكان يحرّض الناس على عثمان حتّى الرعاة ، فلمّا بلغه أنّه محصور قال : « العير يضرط والمكواة في النار » « 20 » ثمّ بلغه قتله فقال : أنا أبو عبد اللّه إنّي إذا حككت قرحة أدميتها - أو قال : نكأتها - . ثمّ دعا ابنيه عبد اللّه ومحمدا فقال : ما تريان ؟ فقال له عبد اللّه : قد سلم [ لك ] دينك وعرضك إلى اليوم ، فاقعد بمكانك . وقال له محمّد بن عمرو أخملت نفسك وأمط ذكرك فانهض مع الناس في أمرهم هذا ، ولا ترض بالدنيّة في العرب ! ! فدعا [ عمرو ] وردان مولاه فأمره بإعداد ما يحتاج إليه ، وشخص إلى معاوية ، فكان معه [ وهو ] لا يشركه في أمره ، فقال له [ عمرو : ] إني قصدت إليك وأنا أعرف موضع الحقّ ، لتجعل لي في أمرك هذا حظّا إذا بلغت إرادتك ، ولأن تشركني في الرأي والتدبير . فقال له [ معاوية ] : نعم ونعمت عين ، قد جعلت لك ولاية مصر « 21 » . فلمّا خرج من عند معاوية قال لابنيه : قد جعل لي ولاية مصر . فقال له محمّد ابنه : وما مصر في سلطان العرب ؟ فقال : أشبع اللّه بطن من لم تشبعه مصر . وأيضا روى البلاذري - في ذيل الرواية المتقدمة من أنساب الأشراف :
--> ( 20 ) هذه من الأمثلة الشائعة بين العرب يضرب لمن يجزع ويضطرب قبل وقوع ما يتوقّعه من المكاره والشدائد . وهذا مذموم وصدوره من الأكابر ، موضع استعجاب ، وذلك لأن العير - وهو الإبل أو الحمار - إذا يداوى جرحه بالكيّ فبمجرّد وصول المكواة إلى جراحته وإحساسه شدّة حرارة المكواة تختلّ ما سكته فيضرط ويخرج ما في جوفه من الأرياح ، وأمّا قبل الكيّ وفي حال كون المكواة في النار فإنه يضبط نفسه ، بخلاف الإنسان الجزوع الجبان فإنّه يجود بنفسه وتختلّ قواه وأحاسيسه بمجرد وضع الكاوي المكواة في الناركي يكويه بها . ( 21 ) قد عرفت وستعرف أيضا انّ معاوية لم يجبه إلى إعطاء مسؤوله إلّا بعد تشاحّ منهما ومكايدة كلّ واحد منهما لصاحبه ، ففي العبارة تسامح .